أحمد بن علي القلقشندي

279

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

قال ابن الأثير رحمه اللَّه : وقد رأيت جماعة من الجهّال إذا قيل لأحدهم : إن هذه اللفظة حسنة وهذه قبيحة أنكر ذلك وقال : بل كل الألفاظ حسن ، والواضع لم يضع إلا حسنا . قال : ومن يبلغ جهله إلى غاية لا يفرق بين لفظة الغصن ولفظة العسلوج ( 1 ) ، وبين لفظ المدامة ولفظ الإسفنط ( 2 ) ، وبين لفظ السّيف ولفظة الخنشليل ( 3 ) ، وبين لفظة الأسد ولفظة الفدوكس ( 4 ) ؛ فلا ينبغي أن يخاطب بخطاب ، ولا يجاب بجواب ، بل يترك وشأنه كما قيل : « اتركوا الجاهل بجهله ، ولو ألقى الجعر ( 5 ) في رحله ( 6 ) » . وما مثاله في ذلك إلا كمن يسوي بين صورة زنجية سوداء مظلمة السواد ، شوهاء الخلق ، ذات عين محمرّة ، وشفة غليظة ، وشعر قطط ( 7 ) ، وبين صورة روميّة بيضاء ، مشربة بحمرة ، ذات خدّ أسيل ، وطرف كحيل ، ومبسم كأنما نظم من أقاح ، وطرّة كأنها ليل على صباح . فإذا كان بإنسان من سقم النظر أن يسوّي بين هذه الصورة وهذه ، فلا يبعد أن يكون به من سقم الفكر أن يسوّي بين هذه الألفاظ وهذه ، ولا فرق بين السمع والنظر في ذلك ؛ فإن هذه حاسّة وهذه حاسّة ، وقياس حاسة على حاسة غير ممتنع ؛ ولا عبرة بمن يستحسن الألفاظ القبيحة ، ويميل إلى الصورة الشنيعة ؛ فإن الحكم على الكثير الغالب ، دون الشاذ النادر الخارج عن الاعتدال ؛ فإنا لو رأينا من يحبّ أكل الفحم والجصّ والتراب ، ويختار ذلك على ملاذّ الأطعمة فإنا لا نستجيد هذه الشهوة بل نحكم عليه بالمرض وفساد المعدة ، وأنه يحتاج إلى العلاج والمداواة ؛ ومن له أدنى بصيرة يعلم أن للألفاظ في الأذن

--> ( 1 ) العسلوج : الغصن الناعم ( لسان 2 / 324 ) . ( 2 ) الإسفنط : ضرب من الأشربة . فارسي معرّب ( لسان 7 / 315 ) . ( 3 ) الخنشليل : الرجل المسن القوي والجيد الضرب بالسيف ( لسان 11 / 223 ) . ( 4 ) هو الأسد ، والفدوكس أيضا : الشديد ، وقيل : الغليظ ، الجافي . ( لسان 6 / 159 ) . ( 5 ) الجعر : ما يبس من الثفل في الدّبر أو خرج يابسا ( لسان 4 / 140 ) . ( 6 ) رواية اللسان : « دعوا الصرورة بجهله ، وإن رمى بجعره في رحله » . ( 7 ) أي جعد قصير ( لسان : 7 / 380 ) .